ابن عطية الأندلسي
105
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قال أبو علي : « اجتلبت أي بعد حرف النداء فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفا فكان يجتمع تعريفان ، و « ها » تنبيه وإشارة إلى المقصود ، وهي بمنزلة ذا في الواحد ، و النَّاسُ نعت لازم لأي » . وقال مجاهد : يا أَيُّهَا النَّاسُ * حيث وقع في القرآن مكي ، و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * مدني . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : قد تقدم في أول السورة أنها كلها مدنية ، وقد يجيء في المدني يا أَيُّهَا النَّاسُ * ، وأما قوله في يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * فصحيح . وقوله تعالى : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ * معناه وحدوه وخصوه بالعبادة ، وذكر تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن اللّه خلقها ، فذكر ذلك حجة عليهم . و « لعل » في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى وليست من اللّه تعالى بمعنى ترجّ وتوقّع . وقال سيبويه ورؤساء اللسان : هي على بابها ، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر ، أي إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم رجوتم لأنفسكم التقوى ، و لَعَلَّكُمْ متعلقة بقوله : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ، ويتجه تعلقها بخلقكم أي لما ولد كل مولود على الفطرة فهو إن تأمله متأمل توقّع له ورجا أن يكون متقيا . و تَتَّقُونَ مأخوذ من الوقاية ، وأصله « توتقيون » نقلت حركة الياء إلى القاف وحذفت للالتقاء مع الواو الساكنة وأدغمت الواو الأولى في التاء . وقوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ نصب على اتباع الذي المتقدم ، ويصح أن يكون مرفوعا على القطع . وما ذكر مكي من إضمار أعني أو مفعول ب تَتَّقُونَ فضعيف . وجعل بمعنى صير في هذه الآية لتعديها إلى مفعولين ، و فِراشاً معناه تفترشونها وتستقرون عليها ، وما في الأرض مما ليس بفراش كالجبال والبحار فهو من مصالح ما يفترش منها ، لأن الجبال كالأوتاد والبحار يركب فيها إلى سائر منافعها ، و السَّماءَ قيل هو اسم مفرد جمعه « سماوات » ، وقيل هو جمع واحده « سماوة » ، وكل ما ارتفع عليك في الهواء فهو سماء ، والهواء نفسه علوا يقال له « سماء » ، ومنه الحديث : « خلق اللّه آدم طوله في السماء ستون ذراعا » ، واللفظة من السمو وتصاريفه . وقوله تعالى : بِناءً تشبيه بما يفهم ، كما قال تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [ الذاريات : 47 ] . وقال بعض الصحابة : « بناها على الأرض كالقبة » . وقوله : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يريد السحاب ، سمي بذلك تجوزا لما كان يلي السماء ويقاربها وقد سموا المطر سماء للمجاورة ، ومنه قول الشاعر : [ الوافر ] . إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا فتجوز أيضا في رعيناه ، فبتوسط المطر جعل السماء عشبا ، وأصل ماءً موه يدل على ذلك قولهم في